أضع بين يدي القارئ الكريم -طالباً كان أم ممارساً أم طبيباً أم باحثاً- هذا الكتاب، ثمرة سنوات من التدريس والمتابعة الميدانية لمقياس علم النفس المرضي العصبي، ومحصّلة تراكم معرفي وخبرة أكاديمية حاولت من خلالها أن أقدم للقارئ العربي مرجعاً شاملاً ومتماسكاً في هذا الحقل الدقيق والحيوي من حقول علم النفس المعاصر.
لم تكن فكرة هذا الكتاب وليدة لحظة، بل هي نتاج مسار طويل من المعايشة اليومية لأسئلة الطلبة، وتساؤلاتهم المتكررة حول طبيعة العلاقة بين الدماغ والسلوك، وبين الاضطراب العصبي والاضطراب النفسي، وبين ما هو عضوي بحت وما هو نفسي محض، وما بينهما من منطقة رمادية واسعة تستدعي دقة علمية بالغة في التشخيص والفهم والتدخل. فكم من مرة وقفت أمام طلبتي أشرح لهم حالة سريرية معقدة، فأجد نفسي أستحضر مراجع متفرقة، بعضها أجنبي وبعضها عربي، وأحاول أن أنسج منها خيطاً معرفياً متماسكاً يفهمه الطالب ويستوعبه، فتولّدت لديّ قناعة راسخة بأن هذا الجهد المتناثر يستحق أن يُجمع ويُنظّم ويُقدَّم في عمل واحد متكامل، يوفر على الطالب عناء البحث المشتت، ويمنحه مرجعاً منهجياً يواكب متطلبات البرنامج البيداغوجي الذي يدرسه، ويمنح الممارس والطبيب والباحث أداة عملية يعودون إليها كلما استدعت الحاجة ذلك.